فخر الدين الرازي

96

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

من الرزق ممدوح ، ولا شيء من الانفاق من الحرام بممدوح فينتج أن الرزق ليس بحرام . وقد مر تقرير هذا الكلام مرارا . المسألة الخامسة : في انتصاب قوله : سِرًّا وَعَلانِيَةً وجوه : أحدها : أن يكون على الحال أي ذوي سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين . وثانيها : على الظرف أي وقت سر وعلانية . وثالثها : على المصدر أي انفاق سر وانفاق علانية والمراد إخفاء التطوع وإعلان الواجب . واعلم أنه تعالى لما أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ قال أبو عبيدة : البيع هاهنا الفداء والخلال المخالة ، وهو مصدر من خاللت خلالا ومخالة ، وهي المصادقة . قال مقاتل : إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة ، فكأنه تعالى يقول : أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم الذي لا تحصل فيه مبايعة ولا مخالة . ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة : لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [ البقرة : 254 ] . فإن قيل : كيف نفي المخالة في هاتين الآيتين ، مع أنه تعالى أثبتها في قوله : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] . قلنا : الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل الطبيعة ورغبة النفس ، والآية الدالة على ثبوت المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية اللّه تعالى ومحبة اللّه تعالى واللّه أعلم . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 32 إلى 34 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ( 32 ) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ( 33 ) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( 34 ) اعلم أنه لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، وكانت العمدة العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة اللّه تعالى بذاته وبصفاته ، وفي حصول الشقاوة فقدان هذه المعرفة ، لا جرم ختم اللّه تعالى وصف أحوال السعداء والأشقياء بالدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته ، وذكر هاهنا عشرة أنواع من الدلائل . أولها : خلق السماوات . وثانيها : خلق الأرض ، وإليهما الإشارة بقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . وثالثها : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ . ورابعها : قوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وخامسها : قوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ . وسادسها وسابعها : قوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ . وثامنها وتاسعها : قوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ . وعاشرها : قوله : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وهذه الدلائل العشرة قد مر ذكرها في هذا الكتاب وتقريرها وتفسيرها مرارا وأطوارا ولا بأس بأن نذكر هاهنا بعض الفوائد . [ الحجة الأولى والثانية قوله تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ] فاعلم أن قوله تعالى : اللَّهُ مبتدأ ، وقوله : الَّذِي خَلَقَ خبره . ثم إنه تعالى بدأ بذكر خلق السماوات والأرض ، وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن